عن السيد الهاشمي » نبذة عن حياة السيد هاشم صفي الدين

المقدمة:
في زمنٍ اضطربت فيه المعايير، وقلّت فيه النماذج التي تُستعاد سيرتها بوصفها قدوة، تبرز شخصية جمعت في مسيرتها خصالًا متعددة، وتركت أثرها في مجتمع اختبر الصبر والتضحيات، وفي ميادين العلم والجهاد والعمل العام. لم تكن مكانته ثمرة كثرة الكلام أو بريق الألقاب، بل تشكلت بهدوء من الفعل، وعمق الأثر، وصدق النية، إنه الشهيد العلامة السيد هاشم صفي الدين؛ شخصية ارتبط اسمها بالورع والتقوى، والحكمة والبصيرة، وحسن الإدارة، وبذل النفس والجهد، إلى جانب حسٍّ عميق بمصالح الناس واحتياجاتهم، والسعي إلى وضع كل مسؤولية في موضعها.
خاض سماحته ميدان العلم فأقبل عليه بجدٍّ وتبحّر، وسلك طريق الأخلاق بوصفه سلوكًا حيًّا لا عنوانًا مجرّدًا، ثم تحمّل مسؤوليات متنوعة في المجالات الدينية والتربوية والسياسية والاجتماعية والجهادية، فنهض بها بما ينسجم مع رؤيته للتكليف والمسؤولية. لم يكن ثقل المهمات قادر على إضعاف عزيمته، ولم تكن كثرة الأعباء سببًا للتراجع. وظلّت خطواته ومواقفه تعبّر عن نهج واضح امتدّ من بداياته إلى أيامه الأخيرة، حتى جاءت كلماته: "آهٍ من شهادة الستين ما أجملها..." لتكشف جانبًا من عمق رؤيته لمساره، وما كان يطلب من الله.
هذه النبذة، مهما حاولت أن تختصر، لن تتسع لكل ما تختزنه سيرة امتدّت ستين عامًا؛ فالمسيرة أوسع من أن تُحاط ببضع صفحات. لذلك نحاول هنا أن نقترب من شخصية السيد الهاشمي (رضوان الله عليه) عبر محطات وأبعاد متعددة: العائلية، الدينية، الاجتماعية، الإدارية، السياسية والجهادية. والغاية ليست استعراض الوقائع، بل الاقتراب من سيرة رجل ترك أثرًا في الناس والمؤسسات والوقائع، وأسهم في بناء مساحات بقي حضورها متصلًا بمسيرته.

رحلة روحية وفكرية: نشأة سماحة السيد وتأثيره الديني
لفهم شخصية نشأت بين عامي 1962 و1982، لا بد من استحضار المناخ الذي أحاط بسنواتها الأولى. فقد كان المجتمع الإسلامي يعيش اضطرابًا فكريًّا حادًّا، فيما كان الصراع بين الشرق والغرب ينعكس على الثقافة والفكر؛ من انتشار الأفكار الماركسية والإلحاد من جهة، إلى التفلّت الفكري والاجتماعي القادم من الغرب من جهة أخرى. وفي ذلك المناخ كان حضور الخطاب الديني في بعض البيئات محدودًا، ولم يكن التصدي الفكري المنظم لهذه التحديات واسعًا، باستثناء جهود مجموعة من العلماء، وفي مقدّمهم الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدّس سرّه). وسط هذه الأجواء بدأت ملامح شخصية السيد الهاشمي (رضوان الله عليه) تتكوّن. كان والده السيد علي، المعروف "بأبي حمزة" يصطحبه في طفولته إلى مسجد الشياح، المعروف بمسجد الطيونة، حيث كان يحضر الصلاة خلف الشيخ محمد حسن القبيسي (رحمه الله)، العالم الجليل، الذي ارتبطت صورته بالمسجد، في ذاكرة السيد الهاشمي (رضوان الله عليه)، ولم يكن هذا الحضور مجرّد عادة عائلية، بل كان جزءًا من تربية مبكرة على العبادة والبيئة الإيمانية وعلى الاقتراب من العلماء وأجواء المسجد. وهكذا تشكّلت في سنوات الطفولة الأولى قاعدة روحية رافقت بناء شخصية السيد الدينية في مراحلها اللاحقة.

السيد في عمر الثالثة عشر:
على مشارف مرحلة البلوغ، بدأت مرحلة جديدة في علاقة السيد الهاشمي (رضوان الله عليه)، بالبيئة الدينية والاجتماعية في بلدته دير قانون النهر، الحاضرة العاملية، قضاء صور جنوبي لبنان. أخذ يرتاد مسجد البلدة ويتعرّف إلى اللجنة الثقافية الإسلامية التي كان يشرف عليها آنذاك سماحة الشيخ حسن حريري، فشارك في حضور المحاضرات والأنشطة التي وفّرتها تلك البيئة. وفي الفترة نفسها التحق بدورة "الأشبال" التي أقامتها أفواج المقاومة اللبنانية، ثم خضع في ختامها لدورة في الرماية العسكرية فكانت تلك تجربته العسكرية الأولى في بلدته خلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية.
في تلك المرحلة توثّقت صداقته بالشهيد رضا حريري أكثر، القائد الفذّ في المقاومة الإسلامية، والذي استشهد في عملية الحقبان 1987. والتي بدأت منذ الطفولة، وجمعتهما أيضاً اهتمامات مشتركة؛ من فريق كرة القدم إلى دورة الأشبال والأنشطة الثقافية والإسلامية التي تقام في البلدة، وكان لعلاقتهما طابعًا خاصًّا.

مرحلة الدراسة الثانوية:
مع الانتقال إلى المرحلة الثانوية اتّسعت الدائرة التي يتحرك فيها السيد الهاشمي (رضوان الله عليه)، حيث كانت تواجههم أسئلة فكرية وثقافية أعمق. وفي الضاحية الجنوبية، تعرّف إلى الاتحاد اللبناني للطلبة المسلمين وكان أعضاؤه يعيشون همّ مواجهة التيارات الفكرية والإلحادية المناهضة للإسلام، ويبحثون عن المعرفة والأجوبة التي تمكّنهم من التعامل مع الشبهات المتداولة آنذاك. وفي السياق نفسه تعرّف إلى اللجنة الثقافية في منطقة الغبيري، وبدأ يرتاد مسجد الشيخ حسن عوّاد (رحمه الله) حيث شارك في جلسات ثقافية منتظمة وجد فيها مجالًا لمناقشة الأسئلة التي كانت تشغله، فوسّعت هذه اللقاءات مداركه وأغنت تكوينه الفكري. وانضم كذلك إلى اتحاد الطلبة الذي كان ينظّم مخيّمات شبابيّة وفعاليات تستضيف علماء دين وشخصيات فكرية. 
ومن خلال هذه الأنشطة تعرّف السيد الهاشمي (رضوان الله عليه) إلى سماحة الشيخ نعيم قاسم والحاج محمد رعد، وتطورت العلاقة بهما مع مرور الوقت، لتصبح جزءًا من شبكة العلاقات التي رافقت مسيرته في السنوات اللاحقة.

الاهتمام بالكتب الفكرية منذ الشباب:
لم تكن اللقاءات والنشاطات وحدها ما يصنع تكوين السيد الفكري. خلال تردّده إلى مسجد الطيونة في الشياح، ضواحي بيروت، تعرّف إلى فضيلة الشيخ حسن ملك (رحمه الله)، الذي درّسه كتاب "فلسفتنا" للشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدّس سرّه)، كان للكتاب في تلك المرحلة وزنٌ فكري واضح، فأسهمت قراءته ودراسته في الإثراء المعرفي للسيد، وإدخال البعد الفلسفي إلى اهتمامه، ولا سيما أنّ الكتاب نفسه جاء استجابة لتحديات فكرية كانت تشغل النخب والمثقفين. وإلى جانب ذلك واصل مشاركته في الأنشطة الثقافية التي كانت تنظمها اللجان الإسلامية في تلك الفترة.
إنّ انخراط السيّد الهاشمي"رضوان الله عليه" في العمل الثقافي أخذ يتبلور منذ عام 1977 تقريبًا. ثم جاءت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 لتمنح تلك الأجواء دفعًا معنويًّا جديدًا، فأخذت اللجان الثقافية توسّع أنشطتها مستفيدة من الزخم الذي أحدثه انتصار الثورة من الحضور الفكري والروحي للإمام الخميني (قدّس سرّه). وفي تلك المرحلة أسهم السيّد في تأسيس اللجنة الثقافية لمسجد الإمام الحسين (عليه السلام) في الطيونة. بعدما كان المسجد يفتقر إلى مثل هذا الإطار، فكانت اللجنة من التجارب الثقافية المحدودة التي ظهرت في بعض المساجد الشيعية في ذلك الوقت.

بين الدراسة الحوزوية والمسار الأكاديمي:
بعد إنهاء المرحلة الثانوية وجد السيّد هاشم نفسه أمام مفترق طرق بين مسار أكاديمي يمكن أن يفتح أمامه آفاقًا واسعة، وبين اهتمام ديني بدأ يتبلور منذ سنواته الأولى. وكانت أسرته تنظر إلى التعليم الجامعي بوصفه المسار الطبيعي لشاب متفوق، فالتحق بالجامعة اللبنانية، حيث درس الرياضيات في كلية العلوم، والعلوم السياسية في كلية الحقوق، وكانت الأسرة تفكّر أيضاً بإرساله إلى الولايات المتحدة للتخصّص، خصوصًا بعد سفر أحد إخوته إليها. فأنهى سنته الجامعيّة الأولى بتفوق، لكنه ظلّ في الوقت نفسه مواظبًا على الدروس الحوزوية والفقهية والنشاط الثقافي. حيث كان قد بدأ منذ وقت مبكر يميل إلى العلوم الحوزوية والدروس الدينية، ومع اتساع هذا الميل، بدأ يقتنع بأن التفرغ للعلوم الدينية يحتاج منه لأي وقت وجهد لا تسمح بهما دراسة أخرى. 
وجاء انتصار الثورة الإسلامية في إيران ليعزّز هذا الاتجاه، فصرف النظر عن فكرة السفر إلى الخارج، ثم عن المسار الجامعي، واختار التفرّغ لطلب العلم. وكانت الخطوة التالية انضمامه إلى حوزة العلامة السيد محمد حسين فضل الله (رضوان الله عليه) في حيّ السلم في ضاحية بيروت، حيث درس مواد المقدمات، ومنها النحو والمنطق والعقيدة والرسالة العمليّة.

رحلته إلى قم المقدّسة والعودة إلى لبنان: دراسة وتأثير 
في صيف 1981 اتّخذ السيّد الهاشمي (رضوان الله عليه) قرارًا مفصليًّا في مسيرته العلميّة، فسافر إلى مدينة قم المقدّسة، حيث كان قد أمضى نحو عام ونصف في طلب العلم في لبنان، وقبل سفره، كان قد التقى بسماحة السيد حسن نصر الله الذي تربطه به صلة قرابة، في منزل ذويه، فوعده بأن يكون من تلامذته في قم. حيث دَرَس عليه، إذ كان السيّد حسن يومها يدرّس المقدّمات وأصول الفقه على الرغم من أنه كان في بداية البحث الخارج.
ثم اتّسعت حلقة الدرس الذي كان يحضره السيد الهاشمي عند السيد حسن، بالتحاق عدد من الطلاب، فدرسوا مع السيّد الهاشمي (رضوان الله عليه) كتاب شرائع الإسلام في الفقه، والمنطق ومواد أخرى، وكانت الدروس تُعقد في مدرسة أمير المؤمنين (عليه السلام) في منطقة الصفائية داخل غرفة أحد الطلاب حيث كان السيّد حسن يبدأ التدريس من السابعة صباحًا ويستمر حتى الواحدة ظهرًا، قبل أن يتوجه إلى درس السيّد محمود الهاشمي الشاهرودي (رحمه الله) في بحث الخارج في الأصول، في نموذج يعكس الجمع بين التحصيل والتدريس في تلك المرحلة.

رفاق السيّد في الدراسة في قم المقدسة:
في مدينة قم، كانت تربط السيّد الهاشمي (رضوان الله عليه) بعدد من طلاب العلوم الدينية والعلماء علاقة زمالة، منهم أصحاب السماحة: الشيخ عبد الكريم عبيد، الشيخ مالك وهبي، السيد سامي خضرا، الشيخ علي دعموش، السيد يوسف صفي الدين، الشيخ نبيل كرمنشاهي، السيد عبد الله نظام، الشيخ خضر نور الدين، الشيخ حسن عز الدين، الشهيد الشيخ نبيل قاووق، المرحوم العلامة الشيخ مصطفى قصير، والشهيد الشيخ محمد رملاوي، وغيرهم. ولم يكونوا جميعًا في مستوى دراسي واحد، إذ كانت طبيعة الدراسة الحوزوية الحرّة تجمعهم في حلقات وتفرّقهم في أخرى، لكنّهم كانوا عمومًا ضمن البيئة العلميّة نفسها التي تحرّك فيها السيّد الهاشمي (رضوان الله عليه)، وكانت هذه المجموعة لاحقًا من الوجوه التي اجتمع فيها التحصيل العلمي مع العمل الاجتماعي والتنظيمي والجهادي، ما دفع بعضهم إلى اعتبارهم، من غير المحصّلين، بحجة أنّ طالب العلم ينبغي أن يتفرغ لدراسته وألّا ينشغل بالشأن السياسي، لكنّ التجربة اللاحقة أظهرت جانبًا آخر من الصورة؛ فقد أثبتت المجموعة حضورًا علميًّا ونشاطًا اجتماعيًّا بين الطلاب، مع التزام أخلاقي واضح، ثم تحوّل هذا الحضور إلى نواة تنظيمية فاعلة بين العلماء والطلاب اللبنانيين في قم، وأسهم في البيئة التي تطوّر فيها العمل المرتبط بحزب الله لاحقًا.

تفتّح الفكر في الأجواء العلميّة:
كان سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، في تلك المرحلة مسؤولًا ثقافيًّا لمنطقة البقاع في حركة أمل، يتابع ما يجري في لبنان من تطورات واشتباكات، ولا سيما على الحدود مع فلسطين المحتلة. رأى أنّ ما يجري في لبنان يستدعي أن يخرج طالب العلم، عند الحاجة، من إطار الدرس إلى ميدان العمل. وكان يقول لرفاقه، مستحضرًا تجربة إغلاق الحوزة في قم أيام انتصار الثورة الإسلامية، إنّ تعطيل الدراسة للمشاركة في تحرير الوطن أمر يمكن أن يصبح هو الآخر جزءًا من المسؤولية.
ومع تصاعد الأحداث في لبنان، لا سيما على الحدود مع فلسطين المتحلة، عاد السيّد حسن إلى لبنان حيث شغل موقع المسؤول الثقافي لمنطقة البقاع في حركة أمل، فيما واصل السيّد الهاشمي (رضوان الله عليه) تحصيله الفقهي والأصولي، فدرس كتاب اللمعة الدمشقية، والأصول والحلقة الثالثة، وأكمل كتاب كفاية الأصول. كما حافظ على المباحثة العلميّة، وهي من أهم تقاليد الدرس الحوزوي، فشارك في مباحثات "الحلقات" للشهيد الصدر، وكفاية الأصول، وكتاب "المنظومة" في الفلسفة.

في مدرسة الرسول الأكرم (ص) في قم المقدّسة: 
بعد عودة سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) إلى لبنان، انتقل السيّد الهاشمي (رضوان الله عليه) إلى مدرسة الرسول الأكرم (ص) في قم المقدسة، وكانت المدرسة التي يُشرف عليها كبار العلماء، تولي عناية خاصة بالطلاب، وتستضيف من كلّ بلد عددًا محدودًا من الطلاب لتربيتهم وتعليمهم في أجواء الثورة.
تركت هذه المدرسة أثرًا واضحًا في حياة السيّد الهاشمي (رضوان الله عليه) ورفاقه، فقد تعرّفوا فيها إلى دروس الأخلاق وإلى جانب من كتب العرفان، وعاشوا في بيئة هادئة تجمع بين العبادة والتأمل والتحصيل. وكانوا يواظبون على دعاء كميل في حرم السيدة المعصومة (ع)، وكان عدد كبير من الطلاب ينهض لصلاة الليل، وفي تلك الفترة ترسّخت لدى السيّد عادة المحافظة على الوضوء والطهارة، وهي خصلة ظلّ محافظًا عليها حتى شهادته. كما كان يستمع يوميًّا إلى الموعظة الأخلاقية التي يلقيها مدير المدرسة بعد صلاة الجماعة. ولم تكن هذه التفاصيل هامشية في مسيرته، فقد أسهمت في صقل الجانب الروحي والفكري من شخصيته، وأدخلت العبادة والأخلاق في صميم يومه العلمي.

دراسة السطوح العليا في قم المقدسة: 
في مرحلة السطوح العليا بدأ السيّد هاشم (رضوان الله عليه) دراسة "كفاية الأصول" للآخوند الخراساني (قدّس سرّه) وهو من أبرز كتب هذه المرحلة وخاتمة موادها الأساسية. بدأ دراستها عند أحد الأساتذة اللبنانيين، ثم انتقل إلى دراسة الكتاب عند المحقق السيّد جعفر مرتضى العاملي (رضوان الله عليه)، وبعد أن أوقف السيّد المحقق التدريس ليتفرغ للتحقيق، انتقل السيّد هاشم مع رفاقه لإكمال دراسة الكتاب عند سماحة السيّد حسين الشاهرودي.
وبعد إنهائه مرحلة السطوح العليا في الفقه والأصول، انتقل إلى مرحلة بحث الخارج، حيث ينتقل الطالب من دراسة الكتب الدراسية إلى ممارسة الاستدلال الفقهي والأصولي مباشرة في مجالس المراجع والمجتهدين. والتحق السيّد الهاشمي (رضوان الله عليه) مع مجموعة من رفاقه بدرس المرجع آية الله الميرزا جواد التبريزي (قدّس سرّه) واستمر في حضور درسه نحو أربع سنوات.

مرحلة التدريس: 
في الحوزة لا يكتمل أثر التحصيل العلمي بمجرد إتقان المادة، بل يفترض أن يبلغ الطالب مرحلة تؤهله لتدريسها، ويأتي ذلك عادة عبر تدرّج طويل يبدأ من الكتب والمراحل الأولى ويرتقي إلى المراحل الأعلى. وقد ظهرت هذه السمة مبكرًا في مسيرة السيد الهاشمي، فخلال دراسة السطوح العليا بدأ بتدريس المقدّمات، وكان من أوائل من درّس كتاب "تحرير الوسيلة" للإمام الخميني (قدّس سرّه)، ودرّس كتاب "شرائع الإسلام" للعلامة الحلّي (قدّس سرّه) كما درّس كتاب المنطق للشيخ محمد رضا المظفّر (رحمه الله)، ثم انتقل إلى تدريس الأصول فدرّس "الحلقة الأولى"، ويكشف هذا المسار عن حضور مبكر للتدريس بوصفه امتدادًا طبيعيًّا للتحصيل، وعن ثقة علميّة سمحت له بتدريس مواد متقدّمة في سنّ مبكرة.

النشاط العلميّ الهادف في قم المقدّسة (أو جلسة الأربعاء):
حمل السيد الهاشمي (رضوان الله عليه) إلى قم، الهمّ نفسه الذي كان قد رافقه في لبنان، وهي الحاجة إلى مواجهة التحديات الفكريّة والثقافيّة وعدم ترك طالب العلم بعيدًا عن الشأن العام أو عن بناء وعيه الأخلاقي والسياسي، ومع ملاحظته بعض أوجه النقص في الأجواء الحوزويّة لدى الطلاب اللبنانيين، فكّر مع عدد من رفاقه في إنشاء حلقة علميّة وثقافيّة تعوّض هذا النقص وتجمع بين المعرفة والوعي السياسي والتهذيب الروحي. ومن هنا نشأت فكرة "جلسة الأربعاء" الليليّة.
أصبحت جلسة الأربعاء مع الوقت مساحة تجمع طلابًا لبنانيين في قم، وأسهمت في بناء وعيهم الثقافي والأخلاقي والسياسي. وكان فيها استضافة لشخصيات تتناول المستجدات في لبنان والمنطقة، ومن أبرزهم، الشهيد السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، وسماحة الشيخ نعيم قاسم والحاج محمّد رعد وغيرهم، إلى جانب علماء وأساتذة قدّموا محاضرات قرآنية وأخلاقية. كما استضيفت شخصيات علميّة وسياسيّة أخرى، منها الشيخ آذري القمي، والسيّد محتشمي والشيخ الصانعي (رحمهم الله) والشيخ قراءتي. وهكذا تحولت الجلسة من لقاء محدود إلى إطار معرفي متعدّد الجوانب، يربط بين الدراسة والحياة العامة.

الاهتمام بالمعنويات:
وفي إطار السعي إلى تعزيز الجانب الأخلاقي في جلسة الأربعاء، ذهب السيّد هاشم (رضوان الله عليه) والمرحوم العلّامة الشيخ مصطفى قصير (رحمه الله) إلى منزل الشيخ بهجت (قدّس سرّه) لدعوته إلى إلقاء موعظة على الطلاب، حيث اعتذر الشيخ بهجت بسبب وضعه الصحي، لكنه دعاهما أن يزوراه في منزله على انفراد. ومن هنا بدأت للسيد هاشم صلة خاصة به، فكان يلتقيه أسبوعيًّا لفترة من الزمن، ويتلقّى منه ما كان له أثر عميق في تكوينه الروحي.
كان السيد من الطلاب الذين يبحثون عن دروس الأخلاق بوصفها ممارسة وتزكية، لا مجرد معرفة نظرية، وحين أخبرهم سماحة الشهيد السيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) عن الشيخ شجاعي في طهران، المعروف باهتمامه بالسير والسلوك والعرفان العملي، توجّه السيد الهاشمي (رضوان الله عليه) مع بعض إخوته إليه للاستفادة منه. وأصبحت هذه سمة في حياته؛ كلما سمع بعالم أو أستاذ عُرف بالزهد والأخلاق، كان يسعى إلى لقائه والتقرّب منه والاستفادة منه.
وفي مدينة قم، حافظ على صلته بالمزارات الدينية بوصفها جزءًا من تكوين طالب العلم الروحي والمعنوي، فكان يداوم على زيارة السيدة المعصومة (عليها السلام)، ويقرأ دعاء كميل ليلة الجمعة في حَرَمِها ويحضر درس الأخلاق للشيخ مظاهري في المسجد الأعظم. كما كان يزور الإمام الرضا (عليه السلام) في مدينة مشهد مرة أو مرتين في السنة مستقلاً الحافلة، متحمّلًا مشقّة السفر في سبيل ما كان يراه تغذية للجانب الروحي.
واستمرّ هذا الاهتمام بالأخلاق والعرفان معه طوال حياته. وبعد استشهاده وُجدت على مكتبه أوراق ترتبط بأساتذة الأخلاق والعرفان والسير والسلوك، وهو ما ينسجم مع مسار طويل لم تكن فيه الكتب الأخلاقية موضوعًا للقراءة فحسب، بل جزءًا من محاولة مستمرة لتحويل المعرفة إلى سلوك وتربية.

بروز حزب الله في قم المقدسة بين الطلاب:
من رحم جلسة الأربعاء تبلور حضور حزب الله بين طلاب العلوم الدينية اللبنانيين في مدينة قم، ومع الوقت اتّسعت الجلسة لتصبح إطارًا عمليًّا وثقافيًّا عامًّا للطلاب اللبنانيين، بعدما بدأت كدائرة محدودة. وتبنّى السيد المحقّق جعفر مرتضى العاملي (رضوان الله عليه) هذه الجلسة لاحقًا، ونقلها من طابعها الخاص إلى "منتدى جبل عامل" لتتسع دائرة الاستفادة منها.
كان الهدف من الجلسة جمع الشباب الذين يتبنّون خطّ الإمام الخميني (قدّس سرّه) وخدمة نهج الولاية، لكن ذلك لم يكن منفصلًا عن الاهتمام بالتربية الأخلاقية وبناء الوعي االسياسي لدى طلاب العلوم الدينية. ولهذا أصبحت الجلسة مساحة تنقل الطالب من لبنان إلى بيئة علمية وساسية وروحية متكاملة، وكان كثير من الطلاب يلمسون بعد مشاركتهم فيها تغيّرًا في رؤيتهم وسلوكهم وطريقة تعاطيهم مع الشأن العام.
وفي هذا الإطار برز دور السيد الهاشمي (رضوان الله عليه) الأساسي في تنظيم الدعوات وبناء العلاقات ومتابعة الأهداف، ومع مرور الوقت أصبح السيد بمكانته العلمية وأخلاقياته وحكمته وإدارته، مهتمًّا بشؤون الطلاب العلمية من خلال اللجنة الخاصة التي أنشأت بتوجيه من العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي (رضوان الله عليه) والشهيد السيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) في قم المقدسة.

الاجتياح الإسرائيلي للبنان 1982 م:
عندما وقع الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ووصلت القوات الإسرائيلية المعادية إلى بيروت، لم يتعامل السيد الهاشمي (رضوان الله عليه) مع الحدث بوصفه بعيدًا عن مساره العلمي. كان قد اختار قبل ذلك التفرّغ للعلوم الدينية، لكنه رأى في الاجتياح قضية تتجاوز حدود الدراسة إلى مسؤولية مباشرة تجاه وطنه ومجتمعه. فعاد إلى لبنان، وتوجّه أولًا إلى حوزة الإمام المنتظر (عج) في بعلبك، حيث كانت توجد مجموعة من الحرس الثوري الإيراني تساند المجاهدين. ساعدته معرفته باللغة الفارسية التي اكتسبها في مدينة قم على التواصل معهم، فشارك في بعض الدورات والأنشطة التي كانت تُقام في مقرّهم. ومنذ ذلك الوقت اتسعت دائرة اهتماماته من قضايا الجنوب إلى قضايا لبنان بأكمله، وبقيت هذه المسوؤلية حاضرة في وعيه.

فتوى المشاركة في الجبهة:
أثناء الحرب المفروضة على الجمهورية الإسلامية من قبل النظام البعثي البائد، كان بعض طلاب العلوم الدينية في قم يتساءلون عن تكليفهم الشرعي تجاه المشاركة في الجبهة. وفي أحد الأيام دعا الإمام الخميني (قدّس سرّه) الشعب الإيراني للمشاركة في الجبهة على نحو الوجوب الكفائي، وإذا بقي هناك حاجة في الجبهة، فالوجوب عينيّ على الجميع. شعر السيد الهاشمي (رضوان الله عليه) ورفاقه بأنّ المسؤولية ملقاة على عاتقهم، فأرسلوا إلى الإمام رسالة يستفسرون فيها عمّا إذا كان الحكم يشمل طلاب العلوم الدينية غير الإيرانيين، فجاء الجواب بالإيجاب، وأنّ الحكم يشمل الجميع.

عملية الفتح المبين – شهر آذار 1982 م:
بعد وصول جواب الإمام الخميني (قدّس سرّه)، استعدّ السيد الهاشمي (رضوان الله عليه) وعدد من رفاقه للالتحاق بالجبهة وتواصلوا مع مجموعة من الحرس الثوري في مدينة قم التي يسّرت لهم المشاركة في ساحات القتال.
شارك السيد الهاشمي مع بعض رفاقه في الجبهة الإيرانية، وكانت مشاركته الأولى في عملية "الفتح المبين" في منطقة دزفول. انضمّ إلى التشكيلات ووصل إلى الخط الأمامي، ثم أُلغي الهجوم في الجهة التي كان فيها لأسباب لم تكن معروفة له آنذاك، فيما حققت العملية عمومًا نتائج موفقة، واستمرت من 22 إلى 28 آذار 1982. وخلالها استشهد أحد المجاهدين الذين كانوا معه في المجموعة، ثم عاد السيد هاشم إلى قم بعد نحو خمسة عشر يومًا من انتهاء العملية.

التدربيات العسكرية:
مع تكرار ذهابه إلى الجبهة، اتجه السيد الهاشمي (رضوان الله عليه) إلى تطوير خبرته عبر المشاركة في دورات عسكرية، فشارك في دورة للمدفعية أقامها الحرس الثوري في طهران، ثم شارك في دورة أخرى مع الشهيد الشيخ نبيل قاووق (رحمه الله) وآخرين في معسكر خاص للحرس الثوري. وقد ساعدته هذه الخبرات على الجمع بين دوره كمجاهد وبين مَهمّته التبليغية، خصوصًا في ظروف كانت تفرض على المشاركين حضورًا متعدّد الأدوار.

عمليات خرّمشهر:
في تلك المرحلة لم يكن السيد االهاشمي (رضوان الله عليه) قد اعتمر العمّة والزيّ الديني، لكنه كان قد أصبح معروفًا بقدرته على التبليغ والتأثير في مَن حوله، فطُلب منه الالتحاق بالجبهة مبلّغًا دينيًّا. عاد إلى الميدان مع مجموعة من الإخوة، وهذه المرة بالزيّ الديني، فتوجّهوا إلى منطقة عبادان، ثم إلى منطقة أخرى كان الحرس الثوري يستعد فيها لعمليات تحرير خرّمشهر. ومع تأخر موعد العملية عاد السيد الهاشمي إلى قم، فيما بقي بعض رفاقه للمشاركة، وأصيب عدد منهم خلال معركة تحرير خرّمشهر.
وفي عام 1983 ارتدى السيد الهاشمي الزيّ الديني وتعمّم على يدي آية الله السيد الكلبايكاني (رضوان الله عليه) وقد مثّل هذا الزيّ بالنسبة إليه إعلانًا عن انتقال واضح إلى موقع التبليغ الديني والتحمّل المباشر لمسوؤليته بصورة أكبر، فربط بين دراسته وما يراه تكليفًا عمليًا في خدمة الدين والمجتمع.

التبليغ في مراكز الإيواء في الجمهورية الإسلامية:
مع تنامي الثقة به لدى الحرس الثوري، وبفضل حضوره العلمي وقدرته على الحوار، طُلب من السيد الهاشمي (رضوان الله عليه) أن يتوجّه إلى المخيّمات العراقية القريبة من الجبهة ليؤدي دورًا تبليغيًّا. وكان إتقانه العربية، بوصفها لغته الأم، عاملًا مساعدًا في التواصل مع الشباب هناك. وفي تلك المخيمات كان يحدثهم ويحاورهم ويحثّهم على الدفاع عن أرضهم والمشاركة في الجبهة، فكان دوره التبليغي امتدادًا للدور الذي كان يؤدّيه في البيئة العلمية والثقافية.

الزواج وتكوين الأسرة:
بعد سنوات من الدراسة في قم، جاءت مرحلة تكوين الأسرة بما تنطوي عليه من مسؤولية جديدة في حياة طالب العلم. وقع الاختيار على كريمة المرحوم الشيخ يوسف الفقيه (رحمه الله). وكان جدّها الشيخ علي الفقيه يقيم في الجنوب ضمن الأراضي المحتلة، وبعد المراسلة والحصول على الموافقة واهتمام أخوالها آل قصير باتمام هذه الزواج، عُقد القران في بيروت عام 1984 ثم عاد السيد الهاشمي (رضوان الله عليه) إلى قم مصطحبًا عائلته، واشترى منزلًا متواضعًا في منطقة (قلعه يزديها)، بين (دورشهر) و(يزدان شهر)، وأقام فيه نحو سنتين قبل أن يبيعه ويستأجر منزلًا في منطقة (دور شهر). وفي قم رُزق بولده رضا عام 1988، فيما رزقه الله لاحقًا بولديه فاطمة وهادي في لبنان. 

نهاية الحرب المفروضة ووفاة الإمام الخميني (قدّس سرّه):
بعد انتهاء الحرب المفروضة في إيران في آب 1988، بقي السيد الهاشمي (رضوان الله عليه) في مدينة قم لمواصلة دراسته. وفي تلك الفترة عاد سماحة السيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) إلى قم المقدسة، فاستأنف التواصل مع مجموعة من الإخوة الذين ربطتهم به علاقة علمية قديمة التي لم تنقطع حتى بعد مغادرة سماحة السيد حسن (رضوان الله عليه) لمدينة قم، حيث استمرت في العُطَل الصيفية والمناسبات، حيث كان السيد هاشم والشهيد الشيخ محمد رملاوي (رحمه الله) وغيرهم من العلماء يزورون السيد حسن في بعلبك خلال وجوده في لبنان، وبعد عودته إلى قم، شارك سماحة السيد حسن مع هذه المجموعة في مباحثات علمية في الأصول، واستمرت هذه الأجواء نحو سنة قبل أن يعود إلى لبنان.
وفي عام 1989 توفي الإمام الخميني (قدّس سرّه)، وشارك السيد الهاشمي (رضوان الله عليه) في تشييعه في طهران، في مناسبة بقيت حاضرة في ذاكرة أولئك الذين عايشوها، لما اتسّمت به من مشهد مليوني مهيب.

عودة السيد الهاشمي (رضوان الله عليه) إلى لبنان وعمله الثقافي:
بقي السيد الهاشمي (رضوان الله عليه) في إيران حتى عام 1991، لكنّ الحاجة إلى شخصيات علمائية فاعلة في الساحة اللبنانية كانت تتزايد، وبين خيار مواصلة التحصيل العلمي في مدينة قم، وبين الحضور العملي في الجنوب ومواجهة الاحتلال، رأى السيد أنّ مسؤوليته في لبنان أصبحت أكثر إلحاحًا، وجاء طلب سماحة السيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) ليؤكد هذا الاتجاه. فاختار العودة إلى لبنان، رغم أنّ القرار كان يعني ترك بيئة علمية ألفها، ومقاعد دراسة أحبّها، كانت ما تزال قادرة على تلبية طموحه العلمي. 
عاد مع رفيق دربه الشهيد الشيخ نبيل قاووق (رحمه الله)، متنقلًا من مرحلة يغلب عليها التحصيل إلى مرحلة يغلب عليها العمل والمسؤولية الميدانية.

العمل في لبنان منذ سنة 1991 م – 2024 م:
بعد أن واكب مراحل تأسيس حزب الله منذ عام 1982، بقي السيد الهاشمي (رضوان الله عليه) في قم متفرغًا لطلب العلم، ومهتمًّا في شؤون الطلاب ومتواصلًا مع السيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) حول المستجدات في لبنان. وفي عام 1991 غادر مدينة قم بدافع من شعوره بالمسؤولية تجاه بلده، وبناءً على طلب سماحة السيد حسن، متوجهًا إلى الجنوب الذي ارتبط به منذ ولادته، حيث تولّى هناك مسؤولية العمل الثقافي، فيما تولّى الشهيد الشيخ نبيل قاووق (رحمه الله) موقع نائب مسؤول منطقة الجنوب، وكان مسؤول المنطقة آنذاك الشيخ محمد خاتون (رحمه الله).
تولّى السيد الهاشمي قيادة منطقة الجنوب سنة 1993 م.
ثم انتخب عضوًا في شورى القرار سنة 1995 م.
ثم عُيّن رئيسًا للمجلس للتنفيذي سنة 1996 م.
ثم تحمّل المسؤولية الكبيرة وعيّن الأمين العام لحزب الله بعد شهادة سماحة السيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) في 27/09/2024 م.

موقع سماحة السيد هاشم صفي الدين الأمين العام لحزب الله