
يقدّم الأمين العام السابق لحزب الله سماحة العلامة الشهيد السيّد هاشم صفيّ الدين قراءةً خاصّة لمسألة استشهاد السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام، تقوم على ثلاث ركائز: الحقيقة، والقدوة، والواجب. فبالنسبة إليه، ليست الزهراء ذكرى تاريخيّة تُستحضر كل عام، بل منهج مقاوم يتجدّد في الوعي والوجدان.
1. الحقيقة: الزهراء شاهدة على الانحراف والظلم
يُقدّم السيّد هاشم صفيّ الدين قراءةً واضحة لمسار استشهاد السيّدة الزهراء عليها السلام، باعتباره أوّل انحرافٍ خطير واجه الأمّة بعد رحيل النبيّ. ويستند في رؤيته إلى مبدأ يكرّره دائمًا:
"الزهراء ليست حادثة بكاء… الزهراء موقفٌ يفضح الظلم ويكشف الحقّ."
الزهراء شاهدة لا مغيّبة
يؤكّد السيّد هاشم أنّ الزهراء لم تُغَيَّب في بيوت الحزن، بل وقفت شاهدةً على بداية الانحراف السياسي والديني، حين حاول البعض تحويل الخلافة من مسارها الحقيقي، وتبديل وصية النبيّ، وإقصاء عليّ عن موقعه.
وله عبارة لافتة في هذا السياق:
"الزهراء وقفت وحدها، ولكنّ شهادتها كانت كافية لتبقى الحقيقة قائمة إلى يوم القيامة."
مظلوميتها دليل شرعية الموقف
لا ينظر السيّد هاشم إلى مظلومية الزهراء كحزنٍ شخصيّ، بل كـ برهانٍ على شرعية موقفها.
ويقول في إحدى المناسبات:
"حين يُظلم صاحب الحقّ، يصبح الظلم أقوى دليل على صوابية الموقف."
وهذا المعنى هو الأساس الذي يبني عليه قراءته لاستشهادها:
فالاعتداء عليها، وكسر ضلعها، وإسقاط جنينها، كانت كلّها أحداثًا تدين الانحراف لا مجرّد صفحات في التاريخ.
احتجاجها صوت الأمة
يعتبر السيّد هاشم أنّ خطابات الزهراء، وخاصة خطبتها في المسجد، هي أول احتجاجٍ علنيّ ضد الالتفاف على خطّ النبيّ.
وفي أكثر من خطاب يقول:
"لو سُكت عن خطبة الزهراء، لسكت التاريخ… ولكنّها رفعت صوتها لتبقى الحقيقة شاهدة."
شهادتها لم تكن نهاية… بل بداية وعي
من منظور السيّد هاشم، استشهاد الزهراء هو إعلان بداية الصراع بين الحقّ والباطل في الأمة.
يشرح ذلك بقوله:
"بشهادتها كشفت للأمّة أنّ معركة الحفاظ على الرسالة ليست سهلة، وأنّ خطّ الولاية سيُحارب منذ اللحظة الأولى."
لذلك يعتبر أنّ رزية الزهراء ليست مأساة عابرة، بل انطلاقة وعي وفصل أول من صراع الحقّ الذي سيظهر لاحقًا في كربلاء ومعارك التاريخ.
2. القدوة: نموذج المرأة التي لا تُهزم
يرى السيّد هاشم صفيّ الدين أنّ السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام ليست مجرّد سيدة من أهل البيت، بل أعلى نماذج القدوة في الثبات والوعي والشجاعة.
ويُكثِر من التأكيد على أنّ المرأة التي تُريد أن تعرف معنى القوّة الحقيقيّة، عليها أن تقرأ حياة الزهراء لا دموعها، ومواقفها لا مصابها فقط.
الزهراء مدرسة الثبات
يقول السيّد في واحدة من عباراته اللافتة:
"من أراد أن يعرف كيف يكون الثبات أمام الظلم، فلينظر إلى الزهراء… فقد وقفت في وجه واقعٍ مرير ولم تتراجع."
ويشير دائمًا إلى أنّ الزهراء كانت وحدها في الظاهر، لكنّها كانت أمّة في موقفها، وأنّ قوّتها لم تكن بالسلاح ولا بالعدد، بل بالحقّ الذي حملته وبصبرها الذي لم يُهزم.
قوّة المرأة في وعيها
يُشدّد السيّد هاشم على أنّ الزهراء لم تكن قدوة لأنها بنت النبيّ فقط، بل لأنها امتلكت الوعي الكامل بموقعها ومسؤوليتها.
وله قول يكرّره في هذا المعنى:
"الوعي الذي حملته الزهراء جعلها أقوى من كلّ ما واجهته… المرأة الواعية لا يُمكن أن تُهزم."
فالزهراء في فكره قدوة للمرأة التي تعرف أين تقف وماذا تدافع، لا للمرأة التي تُعظّمها العاطفة وحدها.
شجاعتها… ليست شجاعة ظرف بل شجاعة موقف
يعتبر السيّد هاشم أنّ الشجاعة التي ظهرت في كلمات الزهراء لم تكن انفعالًا، بل قرارًا واعيًا.
ويعلّق دائمًا على موقفها حين خرجت إلى المسجد لتخطب في وجه السلطة قائلاً:
"هذه شجاعة لا تُقاس بالصوت، بل تُقاس بأنّ صوتها اخترق جدار الخوف، وكشف الباطل."
ومن هنا، تصبح الزهراء في رؤيته رمزًا للمرأة التي تُواجه الانحراف دون تردّد، مهما كان الثمن.
المرأة المقاومة امتداد للزهراء(ع)
من النقاط التي يركّز عليها السيّد هاشم أنّ نساء اليوم ـ خصوصًا في مجتمع المقاومة ـ يستمددنَ قوّتهن من الزهراء.
بل يقول في مناسبة خاصة:
"لو لم تكن الزهراء قدوة، لما رأينا هذا الصبر وهذه الهمّة عند نساء أهل المقاومة."
فهي ليست نموذجًا تاريخيًا، بل حضور حيّ في كل امرأة تقف بجانب الحقّ، في كل أمّ شهيد، وفي كل إعلاميّة تقود الكلمة، وفي كل مقاومة لا تتراجع.
الزهراء… المرأة التي لا تُهزم
ينتهي السيّد غالبًا إلى خلاصة واضحة:
"الزهراء هُزِم جسدُها… لكنّ روحها وموقفها لم يُهزما، ولذلك بقيت قدوة لكل من يرفض الهزيمة."
وبهذا المعنى، تصبح الزهراء ليست فقط قدوةً للنساء، بل قدوةً للمجاهدين والمقاومين جميعًا:
الحقّ قد يُستضعف في الظاهر، لكنّه لا يُهزم ما دام هناك مَن يشهد له ويقف معه.
3. الواجب: أن نكون استمرارًا لموقفها
يرى السيّد هاشم صفيّ الدين أنّ استشهاد السيّدة الزهراء عليها السلام ليس نهاية حدث، بل بداية تكليف.
فالحزن على الزهراء، كما يؤكّد دائمًا، ليس طقسًا يُمارس، بل مسؤوليةٌ تُحمل. وله عبارة متكرّرة يقول فيها:
"من يبكي الزهراء ولا يسير على خطّها، فقد غاب عنه معنى الولاية."
الحقيقة تُلزم صاحبها
في فكر السيّد، معرفة ما جرى على الزهراء ليست معلومة تاريخية، بل حجة على الإنسان.
لذلك يقول:
"حين تعرف كيف ظُلمت الزهراء، يصبح الواجب عليك أن تقف مع الحقّ بلا مساومة."
فالزهراء لم تشكُ لتكون قضيتها عاطفة، بل كشفت الظلم ليعرف الناس واجبهم: أن يكونوا شهودًا على الحقّ كما كانت هي.
الدفاع عن خطّ النبيّ
يربط السيّد هاشم بين مظلومية الزهراء وبين خطّ الولاية الذي حمله عليّ عليه السلام.
ويشرح دائمًا أنّ الزهراء وقفت في الأيام الأولى بعد النبيّ لتقول للأمة: لا تغيّروا الطريق ولا تتخلّوا عن الوصية.
ثم يضيف:
"حين ندافع عن خطّ عليّ، فنحن نستجيب لأول نداء أطلقته فاطمة بعد رحيل النبيّ."
وهذا الربط يجعل الواجب واضحًا: أن نحمي ما دافعت عنه، وأن نقف حيث وقفت، وأن نرفض ما رفضته.
امتداد موقفها في المقاومة اليوم
من أبرز أفكار السيّد هاشم أنّ موقف الزهراء لم ينتهِ، بل هو حاضر في كل مقاومة للباطل.
وله جملة يكرّرها:
"لو لم تكن فاطمة قد فتحت هذا الطريق، لما كانت كربلاء، ولا كانت أجيالٌ تقاتل اليوم على الحقّ."
لذلك يعتبر أنّ عمل المجاهدين، صبر الأمهات، ثبات الإعلاميات المقاومات، وقوّة الناس في مواجهة الظلم… كلّه استمرارٌ لخطّ الزهراء.
الزهراء تُحمّلنا العهد
في خاتمة رؤيته، يقول السيّد الشهيد رضوان الله عليه:
"الزهراء أوصت بأن لا يُترك الحقّ وحده… فمن يزعم حبّها عليه أن يحمل هذا العهد."
وهو عهدٌ لا يعرف التراجع، لأنّ من يقف في خطّ الزهراء لا ينهزم، حتى لو كان وحيدًا… كما كانت هي.
الخلاصة
يُقدّم السيّد هاشم صفيّ الدين قراءة عميقة لاستشهاد السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام، تجعل من سيرتها منهجًا فكريًا وموقفًا مقاومًا أكثر ممّا هي مأساة تاريخية.
فالزهراء أولًا شاهدة على الانحراف والظلم؛ إذ كشفت بموقفها الجرئ عن بداية الانحراف الذي لحق رسالة النبيّ، ووقفت وحدها لتقول الحقيقة مهما كان الثمن. ولم تكن مظلوميتها حدثًا عاطفيًا، بل دليلًا قاطعًا على شرعية موقفها وثبات خطّ الولاية.
وثانيًا، تُصبح الزهراء في نظر السيّد نموذجًا أعلى للقدوة، خصوصًا للمرأة التي تبحث عن معنى القوّة. فهي ليست رمزًا للدمع، بل مدرسة في الوعي والشجاعة والثبات. قوّتها في بصيرتها، وشجاعتها في قرارها، وثباتها في موقفها الذي لم تهزّه التهديدات. ولذلك يرى أنّ كل امرأة مقاومة اليوم إنّما تمتدّ من جذوة تلك القامة العظيمة.
وثالثًا، يربط السيّد استشهاد الزهراء بـ تكليفٍ مستمرّ، إذ يعتبر أنّ معرفتها تُحمّل الإنسان مسؤولية الدفاع عن الحقّ وعدم تركه وحيدًا. فخطّ الزهراء هو خطّ حماية الرسالة، والدفاع عن وصيّة النبيّ، والثبات في وجه الباطل. ومن هنا، فإنّ مقاومة اليوم ـ بثبات رجالها، وصبر نسائها، وقوة إعلامييها ـ ما هي إلا استمرارٌ طبيعيّ لخطّ الزهراء.
وهكذا، يقدّم السيّد هاشم رؤية متكاملة تجعل من الزهراء بداية الوعي، وأصل القدوة، ومنبع التكليف.
فهي ليست فصلًا من الماضي، بل روحًا حيّة في كل موقف حقّ، وكل كلمة مقاومة، وكل سلوك يصون خطّ النبيّ وولاية عليّ.
وبذلك تتحوّل سيرتها إلى منهجٍ دائم في بناء الإنسان الواعي والمجتمع المقاوم.